رمضان خميس الغريب
142
الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )
4 - قد دفع الشيخ الزرقاني شبهة أبى مسلم بعدة أجوبة . الأول : أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته لكان دليله قاصرا عن مدعاه لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ وهو نسخ الحكم دون التلاوة فإنه وحده الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل . الثاني : أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق والنسخ حق ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل وأحكامه مسايرة للحكمة وأخباره مطابقة للواقع . وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ « 2 » وتفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه لأن النسخ تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة . الثالث : أن أبا مسلم على فرض أن خلافه مع الجمهور لفظي لا يعدو حدود التسمية نأخذ عليه أنه أساء الأدب مع اللّه في تحمسه لرأى ما ثم على تحاشى لفظ اختاره اللّه جلت حكمته وهل بعد اختيار اللّه اختيار . الرابع : أن هناك فروقا بين النسخ والتخصيص « 3 » ، وقد ذكرت هذه الفروق في غير موضع من كتب علوم القرآن وكتب الأصول . - وبعد فلعله قد بان من هذا العرض لوجهة نظر أبى مسلم أن رأيه ينحصر في القول بإنكار وقوع النسخ في القرآن وبان كذلك تتبع العلماء لشبهته وردهم عليها .
--> ( 1 ) الحجر أية 9 . ( 2 ) الأسراء من الآية 105 . ( 3 ) مناهل العرفان في علوم القرآن ج 2 ص 207 ، 208 .